الجمعة، 27 أبريل، 2012

تكوين المورد البشري

مقدمة
يمر العالم اليوم بمرحلة تطور سريعة من عصر الصناعة إلى عصر المعلومات و يتواكب ذلك التطور مع ثورة الاتصالات التي أدت إلى تضاؤل المسافات بين الدول و كسر الحواجز و الحدود ، و في ظل هذه المتغيرات نشأت ظاهرة العولمة - التي كان من أهم نتائجها تحرير التجارة بين الدول .وبذلك أصبحت زيادة القدرات التنافسية للمنظمات إحدى الضرورات المصيرية خلال الفترة القادمة لكي تتمكن من المنافسة والبقاء في إطار المتغيرات الدولية, التي تتجلي في اتجاه كل الأسواق إلى العالمية ,وقيام التكتلات الاقتصادية, واحدث مناطق التجارة الحرة,و مشاركة البلدان مع الاتحاد الأوروبي . إن الموارد البشرية عالية القدرة ماهرة الأداء والأداء التكنولوجي, ذات الخبرة العالية في المانجمنت والديناميكية و في التسويق, هي وحدها التي تخلق مناخا جذابا لجلب الاستثمارات ورؤوس الأموال,وتعطى الدفعة القوية والإمكانية للنفاذ الي الأسواق بل واختراقها .ولقد أصبح واضحاً أن عصر المعلوماتية والإنترنت يحمل تجليات عديدة، فلم تعد الأساليب والأشكال التنظيمية القديمة قادرة على استغلال فرص هذه المرحلة الجديدة أو بالأحرى لا يمكن للمنظمات التي تعمل وفق الأساليب والطرق التقليدية قادرة على التكيف والتأقلم مع معطيات المرحلة الجديدة. لذلك ظهرت وسوف تظهر مفاهيم جديدة وأعيد النظر في المفاهيم القديمة المستخدمة لكي تأخذ أبعاداً تلبي متطلبات مرحلة وعصر الاقتصاد الرقمي المعرفي.

ومن الأمور البديهية نجد أن القوانين الفيزيائية تملي علي الأشياء المتحركة أن تبقي علي حركتها مالم يتدخل شيء لتبديل مسار نشاطها. والمنظمات من المفترض أنها تخضع لما يشبه هذه القوانين,لكن الأعمال دائما تنصرف إلي الالتصاق والتشبث بالأمر الواقع –حتي ولو كانت النتائج أقل من الدينامية في زمن الإدارة الديناميكية. عدة أعمال ما تزال تسلك سلوكات تقليد ية غير كفؤة وغير مجد ية بل وعاجزة عندما تحين الفرصة لتبليغ أفكار أو مفاهيم لدائرتها الخاصة بالتكوين., بالرغم من أن ذلك هو المعول الذي يساعد علي كسر وتغيير الأنماط التقليدية والانطلاق بالمنظمة نحو أفق اتجاهات أكثر نجاحا . والتكوين يصمم لمساعدة المنظمات لفحص و حل مشاكلها بأساليب وطرق جديدة أحسن وأفضل, بالإضافة إلي إيجاد بيئة تشاركيه تؤدي إلي تغيير القوي الذاتية الموجهة للأعمال . و يعتبر تكوين (أوتدريب ) الموارد البشرية للمنظمة شيء مهم للغاية سواء علي مستوي الأفراد أو مستوي المنظمة التي يقضون فيها معظم الوقت ,أو علي مستوي المجتمع الذي ينتمون إليه .حيث يعتبر التكوين هو احدي الوظائف الأكثر أهمية بالنسبة لإدارة الموارد البشرية "أو الأفراد" في المنظمة خاصة علي المدى البعيد (1)ويمكننا هنا أن نعرف تنمية المواد البشرية عن طريق التكوين بأنها هي مجموعة النشاطات التي تسعي إلي تأهيل وتطوير الأفراد بطريقة عقلانية - الهدف منها هو تحسين أداء كل واحد منهم .ويمكننا النظر كذلك إلي هذه العملية علي أنها نظام(System) في المنظمة يتكون من عدة عناصر أو نشاطات يرتبط بعضها ببعض في إطار من علاقات الاعتماد المتبادل ,حيث أن أي تغيير أو تعديل أو خلل في أي من هذه العناصر وأدائها لوظائفها يؤدي تباعا إلي حالة من عدم التوازن في نظام التكوين ككل.لذلك كله,يتعين علي كل منظمة أن تؤسس نظاما لتكوين وتنمية رأسمالها البشري الخاص بها .
ولأن التكوين ينمي الفرد بصورة مستمرة ,وهو بدوره ينمي المنظمة التي من شأنها المساهمة مع مثيلاتها تنمية المجتمع كله .نستطيع أن نقول أنه سوف لن تكون هناك تنمية بشرية مستدامة بدون تكوين متواصل,فالتكوين ما هو إلا كتاب مفتوح علي البيئة يغرف منه أفراد المنظمة بأعينهم وحواسهم ما جد فيها من مستجدات .والحال هذه, فان الفرد الذي لا يتكون نراه يوقف التيار الفكري الذي يوصله إلي بالعالم الخارجي من حوله,ويحكم علي نفسه وعقله بالجمود والتحجر والتصلب وعلي ملكاته بعدم التطور والارتقاء .لقد أصبح التكوين هو المعلم الأول لأفراد المنظمة.لأنه يتعذر تصور أي حياة بدون تكوين, حتى ليمكننا القول أن تشكيل المجتمعات والدول وتطورها وازدهارها سيكون صعب التصور والمنال دونما تكوين لمواطنيها, ولأن من يكون نفسه باستمرار دون انقطاع يقوم بعملية لازمة لزيادة كفايته علي حل المشكلات ويضفي الكثير من التقدير علي تحسين عمله مما يفتح له جميع الأبواب علي مصراعيها, لأن قيمة الفرد فيما يحسنه. وبذلك فأن منهجنا في البحث هو منهج وصفي تحليلي مستفيدين من التراكم المعرفي حول الموضوع.

الإشكالية وما يتصل بها:-
الإشكالية هنا هي في ربط ظاهرة المنظمة كنظام بعملية تكوين الموارد البشرية في إطار التنمية المستدامة-مما يعني كيفية ارتباطاتها( (How do they correlate?ولحل هذه الإشكالية المطروحة يتوجب علينا تعبيد مسار الحل بهذه الفرضيات:

-الفرضية الأولي :
التنمية المستدامة ذات علاقة وترابط بأداء المنظمة وفعاليته –لأن المنظمات يتعين عليها تبني ومراعاة سياسات التنمية المستدامة.
-الفرضية الثانية:
المنظمة ظاهرة معقدة في المجتمع لأنها كنظام تؤثر وتتأثر بالبيئة التي تعيش بها ولها. وعليه فإنها ملزمة بأن تقوم بأداء وظائفها بفعالية وعلي وجه أكمل حتي تضمن بقاءها و"خلودها".
-الفرضية الثالثة:
هي أن التكوين كنظام (أو نسق)يمكن الأفراد من تحسين أدائهم ومسايرة وملائمة التطور الحاصل في بيئة المنظمة لأن هناك ارتباط لا انفصام فيه بين تكوين الأفراد ورضاهم وأدائهم الفعال ,وأداء وفعالية المنظمة في إطار من التنمية المستدامة.
باختصار شديد يمكننا القول أن التكوين الفعال الذي يفي بأغراضه ينتج منظمة ذات أداء فعال ,وهذه الأخيرة ترنو بسياساتها نحو تبني وتطبيق سياسات تدفع بالتنمية المستدامة إلي الأمام...
-تتكون المداخلة من عدة مباحث ومطالب تم فيها التلميح تارة والتوضيح تارة أخري لبعض المفاهيم ذات العلاقة منها طبيعة النمو والتنمية البشرية والتنمية المستدامة وأهمية كل ذلك بالنسبة للفرد العامل في المنظمة والجماعة والمجتمع , وضرورة توافر الجهود لتوضيح هذه المفاهيم ...ويختص المبحث الأول: باستعراض ظاهرة المنظمة كنظام( System (As a يعيش في بيئة مستدامة التغير والتحول والتبدل تؤثر فيها وتتأثر بها وتتفاعل مع كل ذلك من اجل الوصول إلي حسن الأداء والفعالية ...واهتم المبحث الثاني وما تلاه : ببيان وتوضيح العلاقة بين التكوين وأداء الأفراد والمنظمة بفعالية وبينها وبين البيئة الموجودة فيها باعتبار أن التكوين يعتبر تفرعا من أحد أفرع المنظمة الأساسية (إدارة الأفراد وتسيير الموارد البشرية كما تصمم أحيانا في الهيكل التنظيمي) ,مثلما هي المنظمة نظاما فرعيا من أم أكبر هي البيئة التي تحدث فيها صيرورة التنمية المستدامة ,وأثر هذا الترابط علي المنظمة وأدائها وفعاليتها من جهة وعلي البيئة كمتغير مستقل من جهة أخري وكيفية لجوء المنظمة للتكيف معها بكل ما أوتيت من إمكانيات...وفي الأخير لابد لي من الاعتراف بأهمية توضيح الترابط بين المفاهيم الثلاثة المنظمة,والتكوين والتنمية المستدامة ,لأن التكوين الفعال يتولد عنه قيام منظمة تؤدي وظائفها في المجتمع بفعالية ومن ثم تساهم بشكل فعال ومجزي في عملية التنمية المستدامة فيه. وانتهت المداخلة إلى استعراض عدد من النتائج و التوصيات مع إشارة إلى المراجع المستخدمة.
 الكفاءة:هنا هي أداء الأعمال واستخدام الوسائل بطريقة صحيحة,في حين أن الفعالية : تشير إلى تحقيق الأهداف. وكلما ارتفعت تكاليف تحقيق هذا الهدف ... قل رصيد قدرة المنظمة علي البقاء والاستمرار.
المبحث الأول:منظمة الأعمال كنظام
تمهيد

المنظمة في رأي مفهوم أعم وأشمل من (المؤسسة),إلا أنهما في بعض الأحيان يصبحان وجهين لعملة واحدة ,خاصة عندما يتطابق المفهومان في مجال دراسة إدارة الأعمال الاقتصادية , كما هو الحال في هذا الموضوع,غير أن هذا التصور لا يمنعنا من التطرق إلي مفهوم المنظمة.وقبل ذلك ارتأينا أن نقدم في مطلب أول الإجابة عن السؤال : ما المقصود بالنمو, والتنمية , و التنمية المستدامة لربط العلاقة بموضوع التكوين في المنظمة.


المطلب1:النمو ,والتنمية ,والتنمية البشرية ,والتنمية المستدامة

تستلزم التنمية المستدامة(Sustainable Development The) فيما تتطلبه ,تحسين ظروف المعيشة لجميع الناس دون زيادة استخدام مفرط فيه للموارد الطبيعية, يتجاوز قدرة البيئة على التحمل. وتجرى التنمية المستدامة في ثلاثة مجالات هامة في المجتمع ألا وهي: النمو الاقتصادي، و الحفاظ علي الموارد الطبيعية والبيئة، والتنمية الاجتماعية الشاملة.ومع ذلك فإن أهم التحديات التي تواجهها التنمية المستدامة هي القضاء على الفقر، ومن الأفضل محاربة هذه الظاهرة بواسطة تشجيع الناس على التعود علي اتباع أنماط إنتاج واستهلاك تحقق التوازن في الطبيعة والمجتمع ،دونما إفراط في الاعتماد على الموارد الطبيعية.رفقا بالأجيال اللاحقة. وبهذا التقديم يمكننا أن نلقي بعض الضوء علي مفاهيم النمو ,والتنمية ,والتنمية البشرية ,والتنمية المستدامة.


أولا:النمو ليس من سمات الدول المتخلفة (الدول النامية):-

في البداية نشير هنا إلي أن الثورة الصناعية استطاعت أن تضيف مفهوم النمو و التقدم الاقتصادي إلى مفاهيم الوحدة العرقية والثقافية والدينية المكونة للدول الحديثة في الغرب، مع تأكيد ظاهرة الاعتماد على نمو الناتج القومي الإجمالي للدولة و الأوطان كمؤشر لرفاهية شعوبها، وهكذا تصبح "خرافة التنمية" هي الهدف والسراب الذي أصبحت فيما بعد تلهث وراءه كل شعوب المعمورة(3).غير أنه إذا نظرنا إلي الدول حديثة الاستقلال(ومنها الجزائر والبلدان العربية والإسلامية) نجد أن لها صورة تختلف إلي حد كبير عن صورتي النظامين الرأسمالي الذي مازال يتعولم والنظام الاشتراكي الذي انهار أواخر القرن الماضي.غير أن تصورنا للدول حديثة الاستقلال يعكس فكرة أنها دول صغيرة تعجز عن صد أي هجوم عدواني عليها,ونامية لأن قضية التنمية تحتل المكان البارز في تكوينها المعاصر ,ومتخلفة لأن الفجوة بينها وبين الدول الصناعية المتقدمة والغنية واسعة وتزداد اتساعا مع انقسام العالم إلي شمال وجنوب وانتشار ظاهرة العولمة وتفشي أعراضها ,وفقيرة فقط لأن مواردها المادية والبشرية غير مستغلة استغلالا اقتصاديا,وحديثة الاستقلال طبعا لأنها تتعرض باستمرار وبشكل مستمر لضغوطات دوائر النفوذ الدولية التي تحاول السيطرة والهيمنة عليها بإيحاء من كذبات العولمة المتعددة. لأن المكونات الاقتصادية للعولمة, وحركة السلع والخدمات ,وحركة رؤوس الأموال, وسياسات صندوق النقد الدولي بمفهوم سياسة العلاقات الاقتصادية الدولية,كلها تعمل لصالح الأغنياء والمتنفذين بفعل انتشار الفساد، ويستنبط من هذا كله أن الضحية الأساسية لهذه السياسات والديناميات هم فقراء عالم الجنوب. كل هذه العوامل جعلت كثيرا من الدول النامية(المتخلفة) تعتمد علي أجهزتها الإدارية والتنظيمية لتفعيل النمو والتنمية ووسيلتهما المفضلة في هذا المسعي هي التكوين . أما عن "قضايا التنمية" فحري بنا أن نذكر أن الكلمة التي تتداعى إلى ذهن أي فرد عندما تذكر كلمة "مستقبل" هي بلا تردد كلمة "تنمية" ورغم عدم خلو أي مجتمع بشري, حتى مجتمعات التقدم و الرفاهية , من مشكلات التنمية, إلا أن مشكلات تنمية بلدان الجنوب لها بعض الخصوصية التي يجب أن تتضافر جهود الجميع في الشمالً والجنوبً على التصدي لها, خصوصًا وأن منصفي الشمال ينظرون الي أن تاريخ تكوين التخلف في الجنوب ليس مسئولية جنوبية مطلقة.


ثانيا- التنمية الاقتصادية:-

يعتبر مفهوم التنمية من أهم المفاهيم العالمية في القرن العشرين، حيث أُطلق على عملية تأسيس نظم اقتصادية وسياسية متماسكة فيما يُسمى بـ (عملية التنمية)، ويشير هذا المفهوم إلي التحول بعد استقلال عدد من المجتمعات في الستينيات من القرن الماضي- في إفريقيا و آسيا وأميركا اللاتينية بصورة واضحة. وتظهر أهمية مفهوم التنمية في تعدد أبعاده ومستوياته، وتشابكه مع العديد من المفاهيم الأخرى مثل التخطيط ,والإنتاج,والنمو والتقدم وتنمية الموارد البشرية ,والتنمية المستدامة..وما إلي ذلك.

وقد برز مفهوم التنمية (Development) بصورة أساسية منذ الحرب العالمية الثانية، حيث لم يُستعمل هذا المفهوم- منذ ظهوره في عصر الاقتصادي البريطاني "آدم سميث" في الربع الأخير من القرن الثامن عشر وحتى الحرب العالمية الثانية إلا على سبيل الاستثناء. فالمصطلحان اللذان استُخدما للدلالة على حدوث التطور المشار إليه في المجتمع كانا هما التقدم المادي (Material Progress)، أو التقدم الاقتصادي) Economic Progress).وعندما ظهرت إلي الوجود مسألة تطوير بعض اقتصاديات مناطق أوروبا الشرقية أثناء القرن التاسع عشر كانت المصطلحات المتداولة علي الألسن هي مصطلح التحديث( (Modernization، أو التصنيع ((Industrialization.
ثم بعد ذلك سيطرت علي أدبيات التنمية بعض الأفكار التي خلطت بين مفهوم النمو الاقتصادي (Economic Growth),والتنمية الاقتصادية(Economic Development), وبين هذه الأخيرة والتنمية الشاملة( Global Development), و بين الرفاهية الاقتصادية والرفاهية الاجتماعية (Economic Welfare and Social wellbeing or Welfare),واستغلت هذه المفاهيم علي أساس أنها مترادفات, مما يعني أن تحقيق النمو الاقتصادي من طبيعته يؤدي بالضرورة إلي تحقيق الباقي. ويمكن تعريف النمو الاقتصادي بأنه هو الزيادة الحقيقية في الناتج الوطني ,وفي حصة الفرد منه ,خلال فترة زمنية معينة.وهناك ثلاثة أنواع منه :النمو التلقائي(Spontaneous Growth), والنمو العابر (Transient Growth), والنمو المخطط(Planned Growth).أما التنمية الاقتصادية Economic Development)) فهي العملية التي يتم من خلالها تحويل بلد متخلف من الناحية الاقتصادية إلي بلد متقدم اقتصاديا ,غير أن بعض علماء الاقتصاد يخلطون أحيانا بين النمو والتنمية الاقتصاديين, لذلك لا يمكن تعريفها بشكل موضوعي لأن هذا المفهوم لا يقع ضمن دائرة ما يسمي بالاقتصاد الموضوعي أو الاقتصاد التقريري(The Positive Economics) وإنما يجد مكانه ضمن مجال ومفهوم الاقتصاد المعياري أو الاقتصاد التقديري(Normative Economics), الذي تتداخل فيه الأحكام الشخصية مدعومة بالقيم ومسندة بروح الذاتية.ذلك لأن كل كاتب يحاول دائما أن يضمن تعريفه للتنمية الاقتصادية أي شيء يعتقد أنه من أهدافها الحقيقية . وهكذا يتحول كل تعريف للتنمية الاقتصادية إلي أسلوب أو شيء من الإيحاء بالإقناع . هذا ومع ذلك, نجد أن بعض الكتاب الذين ينتمون إلي التيار الجديد يضمنون مفهوم التنمية الاقتصادية الذي بطبيعته يتضمن النمو الاقتصادي بالإضافة إلي أشياء أخري كالحاجات المادية وغير المادية مثل الحق في التحصيل العلمي والتكوين والتدريب ,وحرية التعبير والكلمة,والاعتماد علي الذات ,وحق تقرير المصير , والمشاركة في صنع واتخاذ القرار. إلا أننا نري أن الحاجات الأساسية المعنوية لا تقع ضمن دائرة مفهوم التنمية الاقتصادية بل تتعداه وتقع تحت مظلة( مفهوم التنمية الشاملة),الذي يعني عملية النهوض الشامل للمجتمع بجميع مكوناته وأطيافه . بما يشمله هذا النهوض من تنمية لقدرات الإنسان المادية والعقلية ,وفتح الباب واسعا أمامه لاختياراته مما يساعده علي تحقيق آماله و طموحاته.وهكذا فالتنمية الشاملة تتضمن أهداف التنمية الاقتصادية مضافا إليها الحاجات الأساسية غير المادية التي يمكن اعتبارها من الحقوق الطبيعية .وهكذا يتعين علينا عدم الخلط بين النمو الاقتصادي ,والتنمية الاقتصادية وبين هذه الأخيرة وبين التنمية الشاملة.
يشير الكاتب جلال أمين مؤلف كتاب :كشف الأقنعة عن نظريات التنمية الاقتصادية ,إلى أن "اقتصاديات التنمية" التي تهتم بالعالم الثالث ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية، وفجأة تغير كل ذلك وأصبحت التنمية الاقتصادية في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية أمرا شائعا وأصبح من بين مهام منظمة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة إنجاز التنمية في البلدان المتخلفة في نصف الكرة الجنوبي.ويفسر المؤلف ذلك بأن نظام الاستعمار القديم فسح المجال لنظام جديد ليحل محله حيث أصبحت الأهمية النسبية فيه هي لتصريف فوائض السلع, والبحث عن أسواق جديدة ,وأصبح من أهداف الدول المتقدمة تحقيق زيادة في متوسط الدخل لهذه البلدان بل والترويج دعائيا بأنها قادرة على تحقيق التنمية بشرط تناول جرعة من (التغريب). وكما يقول المؤلف: يتعين علينا "التزام درجة كبيرة من الحذر والحيطة تجاه ما يقدمه الاقتصاديون الغربيون في موضوع التنمية والتخلف, ...إن اكتساب درجة من الحرية في إعادة النظر والتفكير حول هذه القضايا قد تفتح الباب علي مصراعيه لاكتشاف حقائق لم تكن واضحة من قبل ف". الاقتصاد في نظر الكاتب ليس علماً كالعلوم الطبيعية ولا الرياضيات, وإنما الشيء الذي يقدمه لنا الاقتصاد هو مجرد نظريات عامة غير مؤكدة كما يدعي الاقتصاديون،لأنها عبارة عن أقنعة يتقنع بها مروجو النظريات الاقتصادية لإضفاء طابع العلمية والموضوعية على ما يتبنونه من آراء".
وإذا كان النمو الاقتصادي كما يذهب إليه الاقتصاديون هو حدوث زيادات مستمرة في متوسط دخل الفرد الحقيقي في المجتمع بمرور الزمن,فان التنمية يقصد بها زيادة الإنتاج وهو ما يتضمن الزيادة في الناتج الكلي في بلد معلوم.كما يلاحظ أنه علي العكس من النمو الاقتصادي فان التنمية تنطوي علي حدوث تغيير في هيكل توزيع الدخل وتغيير في هيكل الإنتاج ونوعية السلع والخدمات المقدمة للأفراد, وما يصحب ذلك من تغير في كمية السلع والخدمات التي يمكن للفرد الحصول عليها في المتوسط.. وهذا يعني أن التنمية الاقتصادية لا تركز فقط علي التغير الكمي وإنما تمتد لتشمل التغير النوعي والهيكلي.بمعني آخر , يمكننا القول أن التنمية الاقتصادية هي عملية يحدث بموجبها تغيير شامل ومتواصل تصاحبه زيادة في متوسط الدخل الحقيقي للفرد وتحسن في التوزيع لصالح الفقراء والضعفاء والمستضعفين . ويتعين أن يصاحب ذلك تحسن في التغير الهيكلي للإنتاج ونوعية الحياة.ومن هنا نجد أن هذه التنمية تتضمن عناصر أساسية منها :الشمولية,استمرار الزيادة في متوسط الدخل الحقيقي لفترة زمنية طويلة,وحدوث تحسن في التوزيع لصالح الطبقات الفقيرة ,والتخفيف من ظاهرة الفقر .وضرورة التحسن في نوعية السلع والخدمات التي تقدم للأفراد وليس الزيادة في الدخول النقدية.وبالمناسبة ,فان تغيير الهيكل الإنتاجي يعني أن هناك توسع في الطاقة الإنتاجية علي نحو تراكمي من أجل تحطيم طوق التبعية,والافتقار لأحد عناصر التنمية المتمثل في رأس المال المادي في صورة أدوات وآلات ومعدات إنتاجية وتكنولوجية(6).وفي الوقت الراهن نري أن الدول المتخلفة تجد نفسها في وضع لا تحسد عليه، لأن الدول الصناعية كانت في السابق لا تضع حواجز أمام انتقال التكنولوجيا أثناء مراحل الثورة الصناعية مما مهد الطريق لتقليد الإبداعات و الاختراعات التي ظهرت في كل مكان ، أما اليوم فان الحالة تختلف ,لأنه من الصعب جدا الحصول على التكنولوجيا مع وجود قوانين حماية حقوق الملكية الفكرية بالإضافة إلي والتلويح بعصا توقيع الجزاء ونعت بعض البلدان بالسارقة والمارقة-خاصة فيما يتعلق بمحاولات اكتساب التكنولوجيا النووية واستعمال حدها السلمي فقط .

ثالثا :مصطلح التنمية البشرية

إن مصطلح التنمية البشرية يؤكد على أن الإنسان هو أداة وغاية التنمية حيث تعتبر التنمية البشرية النمو الاقتصادي وسيلة لضمان الرفاه للسكان، وما التنمية البشرية إلا عملية تنمية وتوسع للخيارات المتاحة أمام الإنسان باعتباره جوهر عملية التنمية ذاتها أي أنها تنمية الناس بالناس وللناس .كذلك يقصد بتنمية الموارد البشرية أنها عملية تنمية معرفة ومهارات وقدرات القوى العاملة في المجتمع القادرة على العمل في جميع المجالات، وتشتمل علي:مفاهيم أساسية في التكوين أو التدريب و تحديد الاحتياجات ,وتصميم وتقويم البرامج التكوينية.وذلك ضمانًا لاستخراج أفضل ما في العاملين من طاقات واستغلالها بالمفهوم الايجابي للكلمة طبعا، وحسن معاملة الأفراد وتعليمهم وتدبير شؤونهم، وتشتمل على عدد من الأنظمة منها:- الرواتب- الحوافز- تقويم الأداء- الترقية- النقل...الخ.وهذه الوظائف كأنظمة ليست منفصلة عن بعضها ، بل تتكامل مع بعضها البعض كمنظومة نسقية من أجل الوصول إلى أداء راق لإدارة الموارد البشرية ومن ثم المنظمة ككل في إطار التنمية المستدامة. ، و على مقدار قدرات المورد البشري، وخبراته، وحماسه للعمل تتوقف قدرة الإدارة ونجاحها في الوصول إلى أهداف المنظمة المحددة لها مسبقا .

يمكن كذلك القول أن للتنمية البشرية بعدين أساسين ، أولهما: يهتم بمستوى النمو الإنساني في مختلف مراحل حياته لتنمية قدراته،و طاقاته البدنية،والعقلية،والنفسية ،والاجتماعية المهاراتية، والروحية .... أما البعد الثاني: فهو أن التنمية البشرية عملية ترتبط ارتباطا وثيق الصلة باستثمار الموارد والمدخلات والأنشطة الاقتصادية التي تولد الثروة والإنتاج لتنمية القدرات البشرية عن طريق الاهتمام بتطوير الهياكل والبنيات المنظماتية التي تتيح المشاركة والانتفاع بمختلف القدرات لدى كل الناس ... وكيفما كان هذا المفهوم فان تنمية الموارد البشرية من منظور الفكر الوضعي الواعي يتعين أن تتم في إطار سياسة سكانية واضحة,وإستراتيجية للتنمية الاقتصادية ,وتحديد للأولويات والبدائل المثلي المختلفة, وتوفير الإحصائيات والبيانات اللازمة لذلك ,وتكمن وسائل التنمية البشرية بصورة عامة في التعليم العام والفني والجامعي ,والتكوين والتدريب المهني , والتنمية الإدارية وما إلي ذلك . وهذا مما يدل علي أن التنمية البشرية لا تعني أكثر من تحرير الإنسان مما يعوقه ويحول دونه وتحقيق أهدافه اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا بما يمكنه من العمل والمشاركة الفعالة ,علي كل المستويات سواء كان ذلك علي مستوي المنظمة أو علي مستوي الوطن أو علي مستوي العالم.
إلا أن الإسلام ينفرد وبشكل واضح في شأن تنمية الموارد البشرية بنظرة أوسع لحرصه علي أن تكون العملية شاملة لجميع جوانب المورد البشري البدنية,والعقلية,والروحية.

ربنا يوفق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق