الأربعاء، 7 أغسطس، 2013

إدارة الإجهاد النفسي في العمل

كثيراً ما نسمع أحد العاملين في الدولة يشكو من أنه مرهق ومنزعج من عمله، ونحس أنه مشتت الفكر ولا يقوى على التركيز. والبعض نراه متوتراً يختلق المشاكل مع زملائه أو ينزوي في ركن من غرفة عمله . هذه المواقف وغيرها التي يمر بها كثير من العاملين في مواقع مختلفة ، ينظر إليها في حال استمرارها على أنها حالة غير طبيعية وتستوجب العلاج. وهي في وقتنا الحاضر تزداد طرداً مع ارتفاع نسب التوتر والقلق في الحياة، ما استوجب قيام مراكز بحثية لدراستها ومعرفة أسبابها وطرق علاجها. وركزت بعض هذه الدراسات على البحث عن عامل الترابط بين هذه الحالات وعدد من الضغوط التي يتعرض لها العاملون في الدولة - على وجه الخصوص - والتي تصفها بعض الدراسات بأنها حالات إجهاد نفسي وهو يعني ردة فعل تجاه وضع جسدي أو عاطفي يشكل تحدياً للإنسان. ينشأ من عوامل عديدة ، مهنية؛ عائلية؛ اجتماعية؛ وفردية ،العامل المشترك بينها جميعا هو التوتر الذي يتحول عندما يصبح الإجهاد تراكمياً إلى إنهاك. ومن الثابت أن ظروف العمل غير المريحة كالعلاقة السيئة مع المدير؛ وصراعات الأدوار بين الزملاء، والمكانة الوظيفية غير المناسبة لمؤهلات العامل وعدم الانسجام بين متطلبات العمل وقدرات العامل ، إضافة إلى انعدام البيئة الصحية للعمل تهيئ جميعها للإجهاد.إلا أنه ليس من الضروري أن يحصل الإجهاد بسبب التوترات الناجمة عن صعوبة العمل بل في أحيان أخرى بسبب رتابة العمل ، فالكثير من الناس يشعرون بالملل عندما يمارسون عملاً لا يحظى باهتمامهم أو دون إمكاناتهم.ومع ذلك فإن لشخصية المرء وماضيه أو ما يعرف بالاستعداد الشخصي دوراً في ظهور الإجهاد الشخصي. ويبقى لعامل الرضا وبخاصة العلاقة الوظيفية بين العامل ورئيسه أثر ملحوظ على موضوع الإجهاد النفسي وفي هذا يقول الفيلسوف برتراند راسل في كتابه إحراز السعادة: (لو أتيح للأشخاص الذين يعملون بأجر ، ولو مرة في الأسبوع أن يشدوا رئيسهم من أنفه ويقولوا له كل رأيهم فيه، سوف يكون في وسعهم أن يرتاحوا نهاية الأمر). ولا ننسى الأوضاع المادية الصعبة التي يعيشها العاملون في الدولة والمخاطر المهددة للصحة، وكذلك التحديات التي تواجه بعضهم والمتعلقة بقيمه ومعتقداته ، جميعها تضاعف من الإجهاد النفسي والذي يمكن ملاحظته لدى الفرد والمنظمة من خلال مجموعة من الأعراض تتمثل على المستوى الفردي: الانعزال، الاستياء من الآخرين وعدم التساهل معهم، التذمر، السلوك غير اللائق ، زيادة التدخين عن المعتاد ، مواقف تهكمية، السخرية من الحياة، نزاعات العمل المتكررة. ...الخ أما على مستوى المنظمة فيمكن ملاحظة الإجهاد النفسي على العاملين فيها ، من خلال : عدم دقة القرارات، زيادة في المصروفات، تدني مستوى الإنتاج ، الغياب المتكرر، التسرب الوظيفي.وبالرغم من ان على المنظمة أن تراقب تصرفات العاملين لديها للتعرف على حالات الإجهاد النفسي عندهم، فإن إدارة هذه الحالات هي الموضوع الأهم .فإدارة الإجهاد غالبا ما تأخذ طريقين: طريق يخص الفرد نفسه يتمثل في :- المشاركة في الشبكات الاجتماعية التي يكونها زملاء العمل لغايات اجتماعية أو اقتصادية - إظهار الاهتمام بزملاء العمل والنظر إلى ملاحظاتهم بإيجابية ودون تضخيم. 

- استثمار أوقات الفراغ وأيام العطل والإجازات في زيارات وقضايا تدخل السرور إلى النفس.
- ممارسة أنشطة ترفيهية يحبها العامل ، وتنمية القدرات الخاصة لديه مثل الرياضة، الموسيقى، الكتابة...الخ
- إيجاد شخص يثق به لمساعدته على التخفيف من توتره من خلال مناقشته فيما يعاني منه واقتراح الحلول المناسبة.
- محاولة إدراك المشكلة وتجاوز همومها. - الاعتناء بالحالة الصحية بما في ذلك تناول طعام متوازن
 أما بالنسبة لإدارة الإجهاد النفسي على مستوى المنظمة فتشمل النواحي التالية:: · التعريف بثقافة المنظمة، وذلك من خلال العمل على نقل قيم المنظمة إلى الأفراد لتصبح جزءا من قيمهم ومحاولة توظيفها توظيفاً حسناً.والمنظمة الناجحة هي القادرة على زرع قيمها في نفوس أعضائها من خلال:- انتقاء العناصر القادرة على تمثل هذه القيم. - اطلاع العناصر الجديدة على مهامهم بصورة واضحة متضمنا ذلك طريقة العمل والمشاكل التي يمكن أن يواجهونها .· إعادة توصيف الوظائف فكثيراً ما نشاهد عناصر يقومون بمهامهم ومهام غيرهم مما يسبب لهم إرهاقا ، بينما يمضي آخرون أوقاتهم بالتسكع من مكتب لآخر . ولهذا تبرز أهمية توصيف الوظائف شريطة ألا يكون هذا الأمر اعتباطيا بل يعتمد الرقم ويرتكز على المعلومة الصحيحة.· الإشراف الجيد وهو مطلب أساس لتدارك الإجهاد ومنع تفاقمه ، والمشرف الناجح هو الذي يمزج بين الرغبة في الإنتاج وتحسين ظروف العمل· استخدام الحوافز بفاعلية وليس من الضروري أن يكون الحافز ماديا ، بل بإمكان المديرين تقديم حوافز معنوية كالثناء وكتب الشكر وغيرها· تحسين ظروف العمل· توفر الدقة والموضوعية في تقييم أداء العاملينمن المعلوم ان التقييمات الحاصلة لدينا غالبا ما تشوبها العيوب بسبب المحسوبيات لذلك فإن نجاح عملية التقييم مرهون بتجاوز تلك السلبية والتركيز على الأداء الوظيفي للعامل.· مواجهة الصراع في بيئة العمل وذلك من خلال إستراتيجية تضعها المؤسسة لهذا الغرض ، أهمها الاستماع إلى وجهات النظر المختلفة بحضور المسؤول ومن ثم العمل على تقريبها وإلا اتخاذ الإجراءات التأديبية المناسبة.والسؤال: هل يدرك العاملون في الدولة والقطاع الخاص من رؤساء ومرؤوسين أن حالات الإجهاد النفسي بحاجة إلى عناية وربما معالجة.إن الثقافة الاجتماعية السائدة غالباً ما تتجاهل هذه الحقيقة ولا تعيرها الاهتمام الذي تستحقه على عكس ما يحصل في الدول المتقدمة حيث تحوز الصحة النفسية على نصيب من الاهتمام لا يقل عن الصحة الجسدية. قد يكون الوقت مبكراً لتحقيق هذه الأمنية، لهذا فإن التعريف بحالات الإجهاد النفسي وسبل معالجته معالجة قابلة للتطبيق الذاتي والمؤسساتي قد تكون حلا معقولاً لبعض ما يعاني منه العاملون . أما إذا كان المسؤولون قادرين على فعل ذلك أم لا ؟ فما علينا سوى ترديد المثل الشعبي : على الديكة الصياح وعلى غيرهم طلوع الضوء.

ربنا يوفق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق