الأحد، 18 أكتوبر، 2015

مفهوم ضغوط العمل




مفهوم ضغط العمل بوصفه مصطلحاً اصطلاحياً فقد نشأ في المؤسسات والمنظمات التي تعتمد في تحقيق أهدافها بصورة رئيسة على العنصر البشري، حيثُ يفترض من هذه العناصر أن تقوم بواجباتها المهنية بأسلوب يتسم بالفاعلية لتقديم الخدمات المنتظرة منها على أكمل وجه، ولكن على الرغم من الرغبة الصادقة التي قد تكون لدى أولئك المهنيين ومؤسساتهم في تذليل العقبات التي تقف في طريق تقديم الخدمات المطلوبة إلا أن هناك معوقات في بيئة العمل تحول دون قيامهم بدورهم بصورة كاملة، وهذا ما يطلق عليه ضغوط العمل Job Stress، وهي بشكل عام المتغيرات التي تحيط بالعاملين وتسبب لهم شعوراً بالتوتر، وتكمن خطورة هذا الشعور في نتائجه السلبية التي تتمثل في حالات مختلفة منها القيام بالواجبات بصورة آلية تفتقر إلى الاندماج الوجداني؛ والتشاؤم؛ وقلة الدافعية؛ وفقدان القدرة على الابتكار.

ومع أن المفهوم الاصطلاحي لضغوط العمل بصورة عامة يكاد يكون واضحاً وسهل الفهم، إلا أن الباحثين في هذا المجال اختلفوا في التوصل إلى تعريف لمعنى الضغوط متفق عليه، حيثُ يمثل المفهوم الإجرائي لضغط العمل لدى الباحثين الذين لديهم خبرات بحثية في الموضوع أنماطاً مختلفة من الاتجاهات، وفي ذلك مثلاً يرى الخضيري أن ضغط العمل هو كل ما له تأثير مادي أو معنوي ويأخذ أشكالاً مؤثرة على سلوك متخذ القرار ويعيق توازنه النفسي والعاطفي ويؤدي إلى إحداث توتر عصبي أو قلق نفسي يجعله غير قادر على اتخاذ القرار بشكل جيد أو القيام بالسلوك الرشيد تجاه المواقف الإدارية أو التنفيذية.

وتعرف الهنداوي ضغوط العمل مستعينة بمعجم بأنها تجربة ذاتية تُحدث لدى الفرد محل هذا الضغط اختلالاً نفسياً كالتوتر أو القلق أو الإحباط، أو اختلالاً عضوياً كسرعة ضربات القلب أو ارتفاع ضغط الدم. ويحدث هذا الضغط نتيجة لعوامل قد يكون مصدرها البيئة الخارجية أو المنظمة أو الفرد نفسه، وتختلف المواقف المسببة لضغوط العمل باختلاف مواقع الأفراد وطبيعة عملهم.

في حين يشير فوزي فائق إلى أن كلمة ضغوط العمل تدل على مجموعة المواقف أو الحالات التي يتعرض لها الفرد في مجال عمله، والتي تؤدي إلى تغيرات جسمية ونفسية نتيجة لردود فعلية لمواجهتها، وقد تكون هذه المواقف على درجة كبيرة من التهديد فتسبب الإرهاق والتعب والقلق من حيث التأثير فتولد شيئاً من الانزعاج.

ويرى فائق أن ضغوط العمل هي استجابة وجدانية وسلوكية وفسيولوجية لمنبه مؤلم.
ويؤيد هيجان مفهوم ضغوط العمل لدى هنداوي بأنه تجربة ذاتية لدى الفرد تحدث نتيجة لعوامل في الفرد نفسية أو من البيئة التي يعمل فيها.

أما المشعان فيعرف ضغط العمل بالتغيرات البيئية المكثفة التي يمكن الاستجابة غير التوافقية لها وتراكمها مع العوامل العضوية والنفسية التي تشكل مجتمعاً ضاغطاً على الفرد ينتهي بعجزه عن الوفاء بالتغيرات البيئية والاجتماعية.

ولكن بارون يعرف ضغوط العمل بأنها استجابة مكيفة تتوسطها الفروق الشخصية الفردية أو العمليات السيكولوجية نتيجة حدث أو فعل بيئي خارجي بحيث تضع متطلبات سيكولوجية أو مادية مفرطة على الفرد.

يبدو من استعراض السياق السابق لوجهات النظر حول ضغوط العمل عدم اتفاق الباحثين في إيجاد تعريف محدد لضغوط العمل، رغم وجود مجموعة من النقاط المشتركة التي يلتقي فيها المفكرون والباحثون في هذا المجال، وترجع سبب هذه الفروقات في البُعد المفهومي للمصطلح نتيجة اختلاف التجارب الشخصية والاهتمامات والخبرات للباحثين في مجال التخصص نفسه، إضافة إلى عامل أكثر قوة وهو ارتباط ضغوط العمل بعلوم عديدة ومجالات عمل مختلفة، حيثُ يمثل الموضوع نقطة اهتمام مشتركة لا يخلو منها أي مجال عمل مهما كان نوع العاملين المتخصصين فيه، لذا فإن الطريقة التي يتم دراسة الموضوع بها بالتأكيد لن تكون واحدة، وسيختلف مفهوم تحديد المصطلح بناءً عليها.

وتنظيماً لمفهوم الضغوط حسب نقاط اتفاق الباحثين حولها، تم تصنيفها إلى ثلاثة اتجاهات يمكن من خلالها تشكيل إطار عام لها، يجمع اتجاهات الباحثين فيها، ويوضح مسار دراساتهم، وذلك على النحو الآتي :-
الاتجاه الأول: المثيرات أو الأحداث الخارجية الموجودة في البيئة المحيطة بالفرد :-
يميل أصحاب هذا الاتجاه إلى قصر مصادر ضغوط البيئة ومسبباتها على المثيرات والأحداث المختلفة الموجودة في البيئة المحيطة للفرد مثل وفاة شخص عزيز أو الكوارث الطبيعية من زلازل وغيرها أو الحروب. دون الأخذ بالاعتبار القوى الذاتية للفرد أو ردود أفعاله التي يبديها تجاه هذه المثيرات التي ينتج عنها مجموعة من التغيرات النفسية والجسمية.
الاتجاه الثاني: إدراك الفرد للحدث وتقديره له :-
يركز أصحاب هذه الاتجاه على استجابة الفرد للمصادر المسببة للضغوط دون وضع اعتبار لتفاعل الخصائص الذاتية للفرد مع بيئة العمل، لأنهم يقيسون النتيجة التي تنجم عن حالة الضغوط والتي تتمثل في الاستجابة التي يتخذها الإنسان نحو المثير أو المسبب للضغط.
الاتجاه الثالث: الاستجابة السيكولوجية للحدث ومثيرات البيئة :-
يرى أصحاب هذا الاتجاه وجوب حدوث تفاعل بين مثيرات الضغوط واستجابة الفرد لها، ينشأ بسببها لدى الفرد حالة من التغيرات الداخلية وردود الفعل الفسيولوجية والنفسية، تدفعهم إلى سلوك غير طبيعي في أدائهم لعملهم.
كما خرج هيجان أيضاً باتجاهات عامة للباحثين لا تختلف كثيراً عن سابقتها من استقرائه الأدبيات المتعلقة بالضغوط ووجهات النظر الخاصة بدراستها، والتي حاول عند عرضها أن تعكس التطور التاريخي لمفهوم ضغوط العمل وتعريفاتها حتى العصر الحديث، حيث قسم وجهات النظر فيها إلى ثلاث وجهات نظر أساسية تتعلق بدراسة الموضوع تمثلت في الاتجاهات الآتية :-
1- النظر إلى الضغوط بوصفها استجابة للتهديد :-
ويربط الباحثون موضوع الضغوط هنا بالبقاء بالنسبة للإنسان، وذلك لما يترتب عليها من محاولة الدفاع عن النفس والبحث عن وسائل الحماية. فكلما زادت حالة الإجهاد أو الضغوط انتقل الفرد إلى مرحلة المقاومة التي يشعر فيها بالقلق والتوتر والإرهاق، مما يشير إلى مقاومة الفرد للضغوط ويترتب على هذه المقاومة وقوع حوادث وضعف القرارات المتخذة والعرضة للأمراض خلال هذه المرحلة وذلك لأن الفرد لا يستطيع السيطرة على الموقف بإحكام.

ويرى SELYE أن ردود الفعل الناتجة عن الضغوط تتبع نمطاً يدعى " بنمط التكيف العام للأعراض المزمنة " حيث إن ردود الأفعال التي يبديها الفرد في مواجهة المثيرات التي يتعرض لها تساعده على تحقيق التكيف والتعامل مع مسببات تلك الضغوط التي يواجهها، وتحدث هذه الردود وفقاً لثلاث مراحل متتالية.
المرحلة الأولى بمرحلة التنبيه من الخطر أو الإنذار منه :-
وتعبر عنها ردود فعل الفعل الجسمية للفرد في حالة الضغط، حيث يقوم الجسم بإفراز هرمونات من الغدد الصماء ينتج عنها تغيرات جسمية متعددة، مثل سرعة ضربات القلب؛ وزيادة معدل التنفس؛ وارتفاع ضغط الدم؛ وزيادة سكر الدم.
المرحلة الثانية مع زيادة معدل الضغط الذي ينقل الفرد من مرحلة المقاومة إلى مرحلة الإنذار:-
وفي هذه المرحلة يحاول الجسم التغلب على الأعراض التي نتجت عن المرحلة الأولى السابقة، فيشعر بالقلق والتوتر والإرهاق، مما قد يترتب عليه وقوع الفرد في بعض الأخطاء؛ واتخاذ بعض القرارات غير الصائبة؛ والتعرض للأمراض بسبب فقدان السيطرة على جميع المواقف المختلفة معاً.
المرحلة الثالثة حين تنهار مقاومته :-
حيث تستنفد طاقة الجسم ويصبح غير قادر على التكيف، وهنا تظهر الأمراض المرتبطة بالضغط النفسي كالصداع؛ وقرحة المعدة؛ وتصلب الشرايين؛ وأمراض القلب ... وغيرها كثير من الأمراض التي تؤدي بالفرد في النهاية إلى انخفاض مستوى أدائه في عمله، ومن ثم تأثر فاعلية إنتاجية المؤسسة وكفاءة أدائها بشكل عام.

2- النظر إلى الضغوط بوصفها تهديداً في حد ذاتها :-
حيث ينظر إلى الضغوط هنا باعتبارها القوى البيئية المحيطة بالفرد التي تحدث تأثيراً سلبياً عليه، والتي يمكن تصنيفها إلى ثلاث فئات رئيسة تتمثل في: المصادر المتعلقة بالخصائص التنظيمية والعمليات؛ والمصادر المتعلقة بمطالب العمل وخصائص الدور؛ والمصادر المتعلقة بخصائص الفرد وتوقعاته، ومن التقسيم السابق يتضح تجاهل أتباع هذا التوجه للقوى الذاتية للفرد وردود أفعاله التي قد يبديها تجاه تلك المصادر. ويعتقد هيجان أن هذا التوجه نحو النظر إلى الضغوط بوصفها تهديداً بحد ذاتها يعد انعكاساً للتطور الصناعي؛ وما صاحبه من أحداث متعلقة بظروف العمل والعاملين، حيث إن الهدف من الدراسات المبنية على وجهة النظر هذه، هو التوصل إلى إيجاد ظروف عمل ملائمة يمكن من خلالها تحسين ظروف الإنتاج بمراجعة السياسات التنظيمية؛ والبناء التنظيمي؛ وظروف العمل؛ ومطالب الدور الوظيفي وخصائصه ومعرفة مدى تأثيرها على العاملين

3- النظر إلى الضغوط بوصفها أموراً داخلية متعلقة بالفرد :-
يركز أصحاب هذا التوجه على الفروق الفردية بين الأفراد، والعوامل التي تؤثر في وجود اختلافات بين الأفراد استجابة للضغوط وعلاقتها بالأمراض، لأن إدراك هذه الفروق الفردية للأفراد والتعرف إليها يفسر ردود الأفعال تجاه ضغوط العمل التي تواجههم، والتي تمثل دافعاً للفرد نحو البقاء، لهذا فإن الفرد عندما يتعرض لقوى أو تأثيرات تهدد بقاءه، يحتم عليه ذلك التكيف أو التصرف لاستعادة حالة الثبات، كما يجدر القول إن هذه القوى أو المصادر المسببة للضغوط قد تكون كامنة في طبيعة الفرد ذاته وليس بالضرورة أن تكون خارج الفرد، حيث تمثل مصادر الضغوط بالنسبة له دوافع لمحاولة التكيف والبقاء في عالمه الخارجي.

وجدير بالذكر في نهاية هذا المبحث الذي يستعرض مفهوم ضغوط العمل أن الدراسة الراهنة لن تتبنى أنموذج محدداً بل ستحاول أن يكون منهجها شاملاً يتناول الجوانب ذات العلاقة بضغوط العمل التي يتعرض لها العاملون في المؤسسات المعلوماتية من مكتبات ومراكز معلومات، من عوامل تنظيمية في بيئة العمل والأعمال التي يقوم بها الأفراد، وردة الفعل الناتج من الأفراد وعلاقة كل ذلك بحالتهم الصحية، والنفسية، والسلوكية.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هل كل ما يشعر به الموظف يصنف على أنه من ضغوط العمل ، لذا وضع كل من شروطاً ينبغي توافرها في الأحداث ليطلق عليها مسمى ضغوط وهي :-
*- أن يكون الحدث دالاً على التغيير والتواصل في نشاطات العمل اليومية.
*- أن يكون الحدث قابلاً للتميز ، بحيث يكون منفصلاً وذا علاقة بأحداث الحياة.
*- أن يكون الحدث قابلاً للملاحظة أكثر من كونه اعتقاداً أو شعــوراً شخصياً.

 

ربنا يوفق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق