الاثنين، 10 يونيو، 2013

الجانب الأخلاقي في بيئة الأعمال

الالتزام بالجانب الأخلاقي في التعامل مع الناس عموماً وفي المعاملات المالية خصوصاً أمر لا يختلف في وجوبه وأهميته وفضله أحد، وقد جاء الإسلام مؤكداً على أهمية الجانب الأخلاقي في التعامل مع الآخرين فقال صلى الله عليه وسلم: "الدين المعاملة"، وقال صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، وقد خص رسول الله صلى الله عليه وسلم أهمية الالتزام بالجانب الأخلاقي في المعاملات المالية وبين فضل وثواب من يلتزم بالأخلاق فيها فقال صلى الله عليه وسلم "التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء"، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن يلتزم بالأخلاق في عملية البيع والشراء فقال صلى الله عليه وسلم: "رحم الله رجلاً سمحاًً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى"،  وقد شدد رسول الله صلى الله عليه وسلم على ضرورة الالتزام بالأمانة في المعاملات المالية وتوعد من تخلى عن الأمانة فوقع في شرك غش وخداع الآخرين؛ فقال صلى الله عليه وسلم "من غشنا فليس منا"، وانظر إلى كيفية إنكاره صلى الله عليه وسلم للغش فقد روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول صلى الله عليه وسلم مر على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللاً، فقال "ما هذا يا صاحب الطعام ؟" فقال: "أصابته السماء يا رسول الله" ، قال: "أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس مني".

وللآخرين نصيب:

          ولا يأتِ أمر الاهتمام بالجانب الأخلاقي والحث عليه في الإسلام فقط، بل لازال المفكرون والفلاسفة في كل عصر يحثون على أهمية الالتزام بالأخلاق في بيئة العمل وركزوا في مناقشاتهم على وضع قواعد أخلاقية تحكم العمل.
          وجاء الاقتصاديون ليؤكدوا على هذا المعنى وأنه ليس هناك حلاً اقتصاديا أفضل من الالتزام بالجانب الأخلاقي في بيئة الأعمال؛ فكما هو معروف أن فلسفة الاقتصاد تقوم على دراسة البدائل ثم اختيار البديل الأنسب، ويكون اختيار أحد البديلين  بدراسة المصروفات والعوائد المتوقعة لكل بديل ثم اختيار البديل ذو العائد الأكبر والمصاريف الأقل، أي البديل ذي الربح الأكبر.
          ومن هنا نجد أن الالتزام بالجانب الأخلاقي هو الأكثر ربحاً على المدى الطويل، فإن مثل هذا الالتزام سيحافظ على الثقة المتبادلة واستمرار العلاقات المالية بينك وبين من تستثمر معهم وبالتالي سيكون أعظم ربحاً على المدى البعيد، أما من يختار الخيار الآخر وهو اللجوء إلى الغش والتدليس والخداع بهدف رفع قيمة الربح في بعض الصفقات، فلا شك أنه على المدى البعيد سيخسر الآخرين وسيخسر عقد هذه الصفقات من الأساس نظراً لفقده ثقة الآخرين فيه، هذا إلى جانب الغرامات والعقوبات المتي ستفرض عليه عندما يتم اكتشاف غشه وتدليسه والقاعدة  تقول: "تستطيع خداع بعض الناس بعض الوقت, ولكنك لا تستطيع خداع كل الناس كل الوقت"، ولذلك كلما زاد الغش والتدليس من البائع وتحمل المشتري تكاليف هذا الغش؛ كلما ازدادت ردود الفعل الأخلاقية ضد هذا الغش، ووقع صاحبه في مشاكل أكبر وبالتالي خسر أكثر.

قواعد للسيطرة:

وعلى الرغم من حث الإسلام وتأصيل المفكرين ونصح الاقتصاديين بضرورة الالتزام بالجانب الأخلاقي في الاستثمارات والمعاملات المالية؛ إلا أنه يجب بالإضافة إلى كل ذلك من وجود بعض القواعد التي تحكم عملية الغش وتسيطر عليه، فكما هو معلوم أن الله تعالى يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، ووجود مثل هذه القواعد الصارمة يساعد في سد أبواب الغش والتدليس وفتح أبواب الأمانة والصدق في عالم الأعمال، والفكرة التي تقوم عليها هذه القواعد هو أنه كلما ارتفعت تكاليف الغش وخسر فاعله من ورائه أكثر كلما ابتعد الناس عنه أكثر وأكثر، وإليك بعض  هذه القواعد المساعدة للسيطرة على الغش:
أولاً: كلما ارتفعت احتمالية رصد الغش، كلما قلت احتمالية الغش.
          فلا شك أن ارتفاع نسبة كشف عمليات الغش سيجعلها أكثر خطورة وبالتالي سيصبح الناس أقل إقداماً على مثل ذلك وسيجعل من يريد التعدي والانحراف عن الصواب يفكر ألف مرة قبل الشروع في مثل هذه العملية، ولعل تطبيق الاجراءات المؤسسية بصورة صحيحة يساعد على ذلك، فمثلاً حينما يتم الرقابة على تقارير المؤسسة المالية من جهة خارجية يكون هناك فرصة كبيرة لرصد الغش ومنعه.
ثانيا: كلما ارتفعت العقوبات من وراء الغش كلما قل الدافع للغش.
          فمن الصعب جدا أن يقدم إنسان على مثل هذه العمليات وهو يدرك أن نسبة اكتشافها مرتفعة، كما أن العقوبات التي ستفرض عليه من وراء ذلك كبيرة للغاية، سواء كانت هذه العقوبات على شكل غرامات أو رفع الثقة عنه أو الحبس أو غير ذلك.
ثالثا: التكاليف المتوقعة من وراء الغش  أعلى إذا كانت المعلومات عن الغش تنتشر بسرعة أكبر.
          فعندما يتعرف كل الناس بسرعة وسهولة على طرق الغش والشركات والأفراد الواقعين فيه تصبح فرصة خداعهم أصعب وفرصة كشف هؤلاء الخداعين أسهل وبالتالي تقل عملية الغاش, ولعل خدمات المعلومات التي تعد التقارير عن الشركات وتعطي للمستثمرين المعلومات الكاملة عنها تساعد في ذلك, وبتقليل سعر هذه التقارير، وتسهيل وسيلة الحصول عليها، ستصبح عاملاً مؤثراً في رفع تكاليف الغش وبالتالي تقليله.
رابعاً: كلما زاد إنكار المجتمع على عملية الغش كلما ارتفعت التكاليف الواقعة على الغش.
          فعندما يسود في المجتمع خلق الأمانة ويصبح عند أفراد المجتمع تعظيم للأمانة وأهمية الوفاء بها، ويصبح أمر الغش أمراً معيباً بشدة في المجتمع، يتولد دافع جديد لدى الناس يمنع من الغش ألا وهو عرف المجتمع، ويصبح الضغط الاجتماعي المانع من الغش أكثر قوة وبالتالي تكون التكاليف من وراء الغش كبيرة جداً لأنه سيسبب لصاحبه الكثير من الخسائر قد تتمثل في مقاطعة المستثمرين له، أو كثرة إنكار الناس عليه وبالتالي تردي سمعته أوفرض عقوبات وغرامات كبيرة عليه, إلى غير ذلك مما سيجعل المرء يبتعد أكثر وأكثر عن الغش.
خاتمة:
نستخلص مما سابق أهمية الالتزام بالجانب الأخلاقي في بيئة الأعمال اليوم, وأن إقامة سمعة طيبة في السوق والحفاظ عليها يعتبر أصل هام من أصول مؤسستك في عالم الأعمال اليوم, و أن عليك كمدير للشركة أن تهتم بالسلوك الأخلاقي للعاملين والمديرين  وتحذرمن التناقضات الخلقية التي تحصل في الإدارة والعاملين حتى لا تخسر الكثير.
 
ربنا يوفق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق