الاثنين، 23 أبريل، 2012

إدارة القوى العاملة في الشركات

من الظواهر العالمية الشائعة في شركات الأعمال الكبيرة التنوع في القوة العاملة حيث يوجد تباين في خصائص العاملين من حيث السن أو الجنس أو العرق أو الجنسية أو الدين أو الانتماءات العشائرية أو المناطقية أو المذهبية أو السياسية وغير ذلك من الفروقات التي تعرفها التجمعات البشرية. ويشار إلى ظاهرة التنوع في القوة العاملة اليوم في أدبيات إدارة الأعمال بمصطلح Workforce Diversity الذي تطور إلى حقل معرفي كتبت فيه الكثير من الكتب والمقالات و عقدت الندوات والمؤتمرات لمناقشته، كذلك هناك دورات تدريبية مكثفة تتناول هذا الموضوع. وتقدم الشركات الاستشارية في هذا المجال خدماتها لكبريات الشركات لتمكين المديرين والمسؤولين من بناء ثقافة تنظيمية متسامحة وتتقبل الآخر وتحترم خصوصياته
ولا نستغرب أن نرى بعض دول العالم المتقدم مثل أمريكا وهي تستقدم سنويا أعدادا معينة من جميع دول العالم عن طريق الهجرة كذلك فإن دول العالم شاسعة المساحة تستقدم بدورها مهاجرين وتحرص على تنوعهم من مختلف دول العالم الأخرى وأوضح مثال لها هي كندا وأستراليا ونيوزيلندا. إن أهم المزايا التي يوفرها تنوع القوة العاملة في شركة ما حسب ما أشارت الكثير من الدراسات هو تنوع الخبرات والمهارات وأساليب التفكير وإمكانية تقديم مبادرات وأفكار جديدة تفيد الشركة كثيرا خصوصا في فترات الأزمات والحاجة.
إلى ارتفاع دوران العمل ونزوح العاملين الأمر الذي يعني تكاليف إضافية للتعاقد مع عاملين جدد ودفع غرامات ومعالجة شكاوى العاملين الخارجين من الشركة و على العكس فإن احترام التنوع وإدارته بشكل جيد يمكن أن يؤدي إلى استقرار وظيفي وبالتالي خفض التكاليف. من جانب آخر فإن الإنتاجية يمكن أن تزداد سواء على مستوى الأفراد أو الأقسام حيث إن الأفراد من مختلف الفئات المتنوعة عندما يشعرون بوجود التقدير والعدالة والمساواة في التعامل فإنهم سيبذلون قصارى جهودهم للارتقاء بمستوى الأداء. إن المشاركة في صنع القرار والتمثيل العادل لكل الفئات في اللجان أو فرق العمل سيؤدي إلى تحفيزهم ودفعهم إلى مزيد من الإنتاج. ولعل الإبداع والإتيان بشيء جديد هو عنصر المنافسة الأساسي في عالم اليوم وعادة ما يحاول أعضاء الفئات المتنوعة إثبات وجودهم من خلال المثابرة وتقديم ما هو متميز وجديد. ولا بد من الإشارة إلى أن شركات الأعمال الكبيرة تلجا اليوم إلى تنمية الثقافة التنظيمية المتعددة Organizational Multiculturalism بإثراء الثقافة التنظيمية السائدة بثقافات الفئات المتنوعة داخل المنظمة الأمر الذي يؤدي إلى آثار إيجابية كثيرة، فمشاركة الفئات المتنوعة بأفراحهم أو مناسباتهم واحترام خصوصياتهم واعتبارها سياقا دائما في نظم العمل الخاصة بالشركة له مردوده الكبير.
مقابل المزايا المشار إليها هناك السلبيات الخطيرة التي تنجم عن عدم إدارة التنوع أو احترامه التي قد تخلق مشاكل كبيرة للإدارة هي في غنى عنها. وأولى هذه السلبيات هي العنصرية والتمييز ضد بعض فئات العاملين. إن التصرف بطريقة تدل على عدم قبول الآخر لها صور مختلفة، فالاعتقاد بأن عرقا معينا أو ثقافة معينة هي الأفضل وغيرها غير مقبول هو أول صورة للعنصرية التي تؤدي إلى إحباط الآخر. كذلك من السلبيات الشائعة والمنتشرة - للأسف الشديد - إصدار الأحكام المسبقة على قضية معينة أو فرد أو شعب معين فكثيرا ما يطلق حكم عام و سريع بأن من تسبب في مشكلة معينة هو من العرق الفلاني أو الجنسية الفلانية وإنهم معروفون بهذه المشاكل. وأيضا هناك الحكم الجاهز بغض النظر عن الأداء فمازال الموظف أو العامل من فئة متنوعة أو أقلية فهواما ممتاز في كل أعماله أو سيء في أعماله جميعها وهذا حكم متطرف يصدر دون تقييم عادل للأداء وإنما يصدر تحت تأثير القالب الجاهز للحكم على أقلية أو شريحة معينة. إن الكيل بمكيالين يمكن ملاحظته في اتخاذ قرارات إدارية مختلفة في قضية واحدة يتحيز فيها بعض المسؤولين لأسباب غير موضوعية ويلحق فيها الضرر بعامل أو موظف لصالح عامل أو موظف آخر. وسلسلة السلبيات كثيرة ولا تقل خطورة عما أشرنا إليه فهناك ما يسمى السقف الزجاجي Glass Ceiling وهو حاجز غير مرئي تعاني منه عادة النساء أو الأقليات العرقية يحد من تقدمهم إلى الوظائف الإدارية العليا في الشركات الكبرى رغم كفاءتهم بسبب كونهم من فئات أخرى غير فئات الأغلبية المسيطرة. كذلك لا ننسى التجاوز أو التحرش الجنسي بالمرأة في مكان العمل، فهناك الكثير من هذه التجاوزات و لكن للأسف الشديد فإن شركات الأعمال العربية لا توليها الاهتمام الكافي بسبب الطبيعة المحافظة للبيئة الشرقية و خوف النساء من الفضيحة بسبب انحياز المجتمع للرجل أكثر من المرأة و هناك حالات كثيرة تتعرض فيها النساء إلى مضايقات من قبل زملاء العمل أو رؤساء الوحدات الإدارية التي يعملون فيها. وأخيرا فإن من السلبيات الأخرى هي ما يسمى تضخيم الدور للعامل الذي ينتمي إلى أحد الفئات المتنوعة حيث يطالب بعمل وإنجاز أكثر من غيره أو إرهاقه بأعمال أكبر من طاقته.
والآن ما الذي يجب أن تفعله الإدارة للقضاء على هذه السلبيات وإدارة القوة المتنوعة بفاعلية ؟ إن أول ما يجب أن تجسده الإدارة كسياق عمل هو القاعدة الذهبية أي معاملة الآخرين بالطريقة نفسها التي يحب المسؤول أو أي فرد في الشركة أن يعامل فيها، فالاحترام واللطف بالتعامل والعدالة يطلبها الآخرون كما نطلبها نحن. ولعل الدورات التدريبية وكيفية التعامل مع التنوع بالقوة العاملة هو أمر حيوي للمديرين ولجميع كوادر شركات الأعمال . كذلك فإن التوعية بالثقافات المتنوعة وما فيها من إيجابيات والحث على احترام عناصرها يساعد في إشاعة جو من التسامح والتعاون لمصلحة الشركة. ولا بد من الإشارة أخيرا، إلى أن الجامعات في دول مختلفة تقدم مواد دراسية للطلاب الذين يريدون العمل في بيئات معينة، حيث تغطي الأمور المتعلقة بهذه البيئة كافة من ناحية التاريخ والعادات والتقاليد والثقافة السائدة والنظام الاقتصادي والسياسي وغير ذلك من الأمور. وختاما لهذه المقالة، فإننا نشير إلى أمر مهم جدا يساعد في زيادة فاعلية إدارة التنوع و هو تصحيح الأخطاء التاريخية بحق بعض الفئات التي تعرضت إلى إجحاف و ظلم في بعض الشركات لأسباب شتى في السابق، مثال ذلك ما حصل في جنوب إفريقيا حيث التمييز العنصري الصارخ. إن حقيقة التنوع في البشر في شركات الأعمال تتطلب اليوم وعيا وحسن إدارة لتحويل هذا التنوع إلى ميزة تنافسية داعمة لهذه الشركات.

ربنا يوفق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق