الأربعاء، 7 أكتوبر، 2015

العلاقة بين الرضا عن العمل ودوافع العمل والأداء



كان الاعتقاد شائعا في أعقاب نشر نتائج دراسات "الهاوثورن" إن الاتجاه النفسي للعاملين أو رضاهم عن العمل يؤثر على إنتاجيتهم وأدائهم للعمل وكذلك على جوانب أخرى من سلوكهم في العمل.
لقد حمل كتاب وباحثو مدرسة العلاقات الإنسانية في الإدارة لواء هذه الفكرة ، وقاموا بتأكيدها وتبريرها في كتاباتهم وبحوثهم.

ولقد قام هؤلاء الكتاب بتقديم هذه العلاقة ، ليس باعتبارها مجرد علاقة بين متغيرين هما الأداء والرضا ، وإنما باعتبارها علاقة سببية بين الرضا كمتغير سببي ، والأداء كمتغير الأثر أو النتيجة ، وتبرير هذه العلاقة السببية ، قدم في صورة تفسير مبسط يقوم على فكرة أن الفرد الذي يرتفع رضاه عن عمله ، يزداد بالتالي حماسه للعمل ويزداد أيضا امتنانه لوظيفته ، فترتفع بذلك إنتاجيته وأداؤه.
وبالعكس ، فإن الفرد الذي ينخفض رضاه عن عمله ، يقل نتيجة لهذا العمل حماسه للعمل ، ويقل إقباله عليه ، وتقل أيضا مشاعر الامتنان والولاء للوظيفة وللمنظمة ، فتقل نتيجة لهذا إنتاجيته وأداؤه ، إن هذا التفسير يدمج في الواقع بين مشاعر الرضا والدافعية للأداء وبذل الجهد في العمل ، وهذا التفسير يعني أن الرضا والدافعية هما نفس الشيء ، فزيادة الرضا معناه زيادة الدافعية والعكس بالعكس.

لقد كانت العلاقة بين الأداء والرضا محورا للعديد من الدراسات التجريبية التي تمت في أعقاب دراسات "الهاوثورن" فقد اتجهت اهتمامات عديد من الباحثين إلى محاولة اختبار هذا الفرض الذي ذاع وانتشر في الأربعينيات ، وأوائل الخمسينيات وذلك من خلال دراسات تجريبية تقيس كلا من المتغيرين لدى عينات مختلفة من العاملين في الصناعة في الولايات المتحدة.

فلم يجد "برايفيلد وكروكيت" ما يؤيد وجود هذه العلاقة ، حيث كانت معاملات الارتباطات بين مقاييس الأداء ومقاييس الرضا لدى عينات العاملين محل الدراسة منخفضة وكانت في كثير من الحالات غير ذات دلالة إحصائية ، واستنتج الباحثان من هذا، إن الفرض بوجود علاقة سببية بين الرضا والإنتاجية بصفة عامة لا تؤيده النتائج التجريبية.

ونبه الباحثان إلى أن سلوك العاملين يخضع لقانون الأثر Law of Effect ، الذي يعني أن قيام الفرد بسلوك معين أو تكراره له يتوقف على الأثر الذي يحدثه هذا السلوك له ، وبالتالي فإن سلوك الأداء يتوقف على قيام الفرد به على الآثار التي تترتب عليه بالنسبة له ، وما إذا كانت هذه الآثار طيبة أو سيئة ، وبناء عليه فإن العلاقة بين الرضا والإنتاجية أو الأداء لا يمكن أن توجد إلا في حالة واحدة ، وهي عندما يكون أداء الفرد محققا لحصول الفرد على حوافز ذات قيمة بالنسبة له ، أي عندما يكون الأداء هو المسار الذي يحقق له أهدافا هامة ذات قيمة ومنفعة ، وطبيعي أن مثل هذه الحالة تتواجد فقط عندما يكون هناك نظام للحوافز والعوائد ( أجر ، مكافآت ، وخدمات ، ومعاملة ، … الخ) تعطى بناء على ما يحققه الفرد من أداء ، بحيث تكون مشروطة به ومتوقفة عليه.
فعند تحقيق الفرد لأداء عال في ظل نظام حوافز مشروطة كهذا ، يحصل الفرد على حوافز وعوائد نتيجة أدائه العالي ، فتزداد بذلك اشباعاته ، ويزداد بالتبعية رضاه ، أما عند تحقيق الفرد لأداء منخفض في ظل نظام الحوافز المشروطة بالأداء ، فإن حوافزه وعوائده ستكون قليلة ، وبالتالي تكون اشباعاته قليلة ، ورضاه بالتالي منخفضا.

إن المعنى المتضمن في استنتاج "برايفيلد وكروكيت" ، هو أن العلاقة بين الأداء والرضا إن وجدت فهي شرطية ، أي توجد فقط عندما تعطي حوافز وعوائد العمل بناء على الأداء الفعلي للفرد ، وفي الحالة الخاصة لا يكون الرضا سببا في الأداء وإنما العكس ، ففي هذه الحالة يكون الرضا هو نتيجة للأداء ، حيث أن الإشباعات التي تحققها الحوافز والعوائد التي يحصل عليها الفرد تنتج كأثر أو كنتيجة، لمستوى الأداء الذي حققه الفرد فاستحق به أن يحصل على هذه الحوافز والفوائد.

لقد أشار "مارش وسايمون " إلى هذا المعنى تقريبا عندما أوضح أن الأفراد في العادة لا يربطون بين العوائد التي يحصلون عليها وبين مستوى أدائهم للعمل ، ففي كثير من الحالات يعتقد الأفراد العاملون أن عوائدهم لا ترتبط بمستوى إنتاجيتهم حيث أن هذه العوائد تعطى على أسس ليس لها صلة بالإنتاجية ، وبالتالي فما لم يصحح هذا الاعتقاد بناء على شواهد معينة مستنبطة من الحالة الخاصة التي تربط فيها العوائد المختلفة بالإنتاجية ، فإن جهدهم وإنتاجيتهم ستحكمها عوامل أخرى خلاف الرضا ، بل أن " مارش وسايمون " يذهبان في تحليلهما إلى أنه حتى في هذه الحالة الخاصة التي توجد فيها علاقة ، لا تتحرك دافعية وحماس الفرد للإنتاج والأداء إلا نتيجة لشعوره بنقص في الإشباع أي بالاستياء ، فيحاول الفرد سده ومعالجته من خلال الأداء إذا توقع وتصور أن الأداء سيقود إلى حصوله على عوائد ذات قيمة.

وفي هذه الحالة فإن الأداء العالي وفق تحليل " مارش وسايمون " ، قد لا يقود بالضرورة إلى تحقيق الرضا ، فهذا الرضا تتوقف درجته على متغيرات أخرى مثل قيمة العوائد الفعلية التي حصل عليها الفرد ، وكذلك على مستوى طموح وتوقعات الفرد السابقة لحصوله على العوائد. فإن كانت العوائد قليلة بالنسبة لما كان يتوقعه وما كان يطمح في الوصول إليه، فإن مستوى رضاه قد لا يكون بالضرورة مرتفعا ، حتى في ظل تحقيقه لأداء مرتفع. معنى هذا أن الرضا عندما يتحقق كنتيجة للأداء المرتفع في ظل نظام الحوافز والعوائد المشروطة بالأداء، يكون كذلك لأن العوائد التي حصل عليها الفرد فعلا تكون بالعدد والنوعية التي تتوافق وما كان يتوقعه الفرد ويطمح في الوصول إليه.

وباستعراض الدراسات المعاصرة حول العلاقة بين الأداء والرضا فإن معظم النماذج النظرية الحديثة ، تقدم فروضا أكثر تعقيدا من ذلك الفرض البسيط الذي قدمه كتاب العلاقات الإنسانية.

ويعتبر النموذج النظري للباحثان "بورتر ولولر" أكثر هذه النماذج قبولا الآن ، ويقوم هذا النموذج على مجموعة فروض حول محددات الأداء، وحول محددات الرضا ، فالأداء وفق "نموذج بورتر ولولر" يحدده الجهد المبذول في العمل متفاعلا مع قدرات الفرد وإدراكه لمكونات ومتطلبات دوره الوظيفي ، أما الجهد المبذول فتحدده قيمة العوائد ودرجة توقع الفرد لحصوله عليها اذا ما بذل الجهد المطلوب. وأوضح هنا أن الرضا لا يعتبر محددا مباشرا للأداء أو حتى الجهد المبذول في العمل. والرضا أن أثر على متغيرات تحدد الجهد المبذول، فهو يؤثر عليها بطريقة غير مباشرة، فتأثيره إذن في نموذج " بورتر ولولر " يقتصر على قيمة ومنفعة العوائد المتوقعة.

والإشباع الذي تحققه عوائد معينة والرضا الذي يتحقق منها من واقع خبرات الفرد السابقة يؤثر على تقييم الفرد لقيمة ومنفعة العوائد بناء على هذه الخبرات السابقة.
أما الرضا فيتحدد بناء على قيمة ما يحصل عليه الفرد من عوائد وتقديره لمدى عدالة هذه العوائد ، أما العوائد التي يحصل عليها الفرد فهي تتحدد على أساس ما يحققه الفرد من أداء ، إن كان المعيار المطبق في إعطائها يربط بين أداء الفرد والحوافز والعوائد التي تعطي له من قبل المنظمة. وبالتالي فإن تأثر رضا الفرد بأدائه يتم من خلال ما يعطى للفرد من عوائد نتيجة لأدائه ، أي من خلال متغير وسيط هو العوائد التي يستخدمها الفرد لإشباع حاجاته.
ووفق هذا النموذج فإن خبرات الفرد بالمعيار الذي يعطى على أساسه العوائد ودرجة أخذ هذا المعيار بالأداء والإنجاز في العمل كأساس لهذه العوائد ، يؤثر على التوقعات المستقبلة للفرد فيما يتعلق بالآثار المترتبة على بذله للجهد في العمل وقيامه بتحقيق مستوى أداء معين. فإذا كان معيار العوائد هو الأداء ، فإن توقعات الفرد للحصول على مزايا ومكافآت وعوائد أخرى بناء على ما يبذله من جهد وما ينتج عن هذا الجهد من أداء ستكون عالية.

ويمكن تصوير النموذج النظري الذي قدمه " بورتر ولولر " لعلاقات التأثير والتأثر بين متغيري الأداء والرضا والعوامل المحددة لكل منهما في التالي :-
*- قيمة العوائد.
*- القدرات.
*- الخصائص الفردية.
*- إدراك الفرد لعدالة العوائد.
*- الجهد المبذول.
*- الأداء (الإنجاز).
*- العوائد (إشباعات).
*- الرضا.
*- إدراك الفرد لدوره الوظيفي.
*- إدراك الفرد للعلاقة السببية بين الجهد والعوائد.
 

ربنا يوفق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق