الثلاثاء، 9 يونيو، 2015

الموارد البشرية ورأس المال الفكري



كان من أهم نتائج ثورة العلم والتقنية وحركة التغيرات العولمة إن بدأت ظاهرة مختلفة في منظمات الأعمال -والمنظمات عامة- هي ارتفاع الأهمية النسبية للأصول غير المادية أو ما يطلق عليه الأصول غير الملموسة "المعنوية" إذ أصبحت تمثل النسب الأكبر في أصول الشركات والمنظمات. وبالتحليل البسيط يتضح أن تلك الأصول غير الملموسة هي المعرفة المتراكمة في عقول الموارد البشرية والناتجة عن الممارسة الفعلية للعمل، والتوجيه والمساندة من القادة والمشرفين، وتبادل الأفكار والخبرات مع الزملاء في فرق العمل، ومتابعة المنافسين، والتعرض لمطالب العملاء، وكذا نتيجة التدريب وجهود التنمية والتطوير التي تستثمر فيها المنظمات مبالغ طائلة. إن هذه المعرفة المتزايدة والمتراكمة هي الثروة الحقيقية للمنظمات -بل وللدول-، وهي بالتالي ما يطلق عليه الآن "رأس المال الفكري"، وهي أيضاً محصلة عمليات التعلم المستمرة في المنظمات التي تحولت إلى "منظمات متعلمة".

من أجل هذا أصبحت المنافسة الحقيقية بين المنظمات بل وبين الدول هي في محاولة بناء وتنمية رأس المال الفكري بكل الوسائل الممكنة، وحتى بمحاولة السطو على العناصر الفكرية المتميزة من المنافسين أو المنظمات والدول الأخرى. ويعتبر العاملون في المنظمات من ذوي المعرفة والخبرة هم المصدر الرئيسي لرأس المال الفكري، ومن ثم يتضاعف الاهتمام بتطوير نظم وتقنيات إدارة الموارد البشرية من أجل التعامل الإيجابي مع هذه الموارد النادرة ذات القيمة.
وفي العالم المعاصر أصبحت المنظمات أشد استيعاباً واستخداماً للمعرفة نتيجة سرعة المتغيرات وتعاظم الفرص الناشئة عنها من ناحية، وتزايد المنافسة وضغوط العملاء من ناحية أخرى. لذا نجد المنظمات المعاصرة وقد أصبحت أكثر اعتماداً على المعلومات والمعرفة من أجل البحث عن الجديد من المنتجات والخدمات والأساليب التي تستخدمها للوصل والأكفأ والأسرع إلى العملاء وسبق المنافسين. وتتمثل استخدامات المعرفة في المنظمة المعاصرة في عمليات البحوث والدراسات في المجالات التسويقية، الإنتاجية والإدارية. كما تبدو الحاجة للمعرفة واضحة في تصميم المنتجات والخدمات، وتطوير النظم والتقنيات، وأعمال التخطيط الاستراتيجي واتخاذ القرارات ومتابعة الأداء وتقييم النتائج والإنجازات. في جميع تلك الحالات يكون الأساس دائماً هو الخبرة والمعرفة والقدرات الذهنية التي يتمتع بها المديرون والخبراء في المنظمة ومن تستعين بهم من المستشارين والمتخصصين من خارجها. إن مشكلة واحدة تتعرض لها معظم المنظمات المعاصرة مثل التعامل في أسواق المال ومتابعة حركة أسعار الأسهم والوراق المالية والعملات في الأسواق المالية من أجل إدارة محفظة الاستثمارات للمنظمة، توضح أهمية استخدام المعرفة وتوظيف القدرات الذهنية للموارد البشرية التماساً للحلول الصحيحة.

إن المعرفة لم تعد فقط أداة في عمليات بناء وتنمية القدرات التنافسية للمنظمات، بل أصبحت أيضاً عنصراً من عناصر المنافسة. ومثال ذلك أن المعرفة متمثلة في تقنيات المعلومات والاتصالات هي التي أتاحت لشركة ناشئة في مجال توزيع الكتب وهي أن تنافس أعتى وأقدم دور النشر العالمية وتتفوق عليها، ذلك أنها تنافس بالمعرفة. وبالتالي فإن المعلومات على الحاسبات الآلية قد حلت محل تلال الكتب التي كانت وما تزال تملأ مستودعات وأرفف دور بيع الكتب التقليدية وتمثل مخزوناً تتجمد فيه أموالاً طائلة وتتكلف نفقات هائلة للمحافظة عليها من أخطار السرقة والحريق وغيرها وتنفق الأيام في جرده وحصره. وبشكل عام فإن المنظمات الأكثر اعتماداً على المعرفة بدأت في التحول نحو امتلاك المزيد من الأصول غير الملموسة "أي راس المال الفكري" والتخلص من أعباء امتلاك الأصول الملموسة. ففي تلك المنظمات المتعلمة ذات المعرفة تقل الاحتياجات إلى المباني، والتجهيزات المكتبية، والمساحات الشاسعة ومعدات النقل ومستلزمات التخزين، وتتحول كل تلك الأصول إلى أرقام ومعلومات ومعرفة تختزن في الحاسبات الآلية وعلى شبكات الإنترنت والإنترانت.

ويصاحب الحديث عن رأس المال الفكري مفهوم "رأس المال البشري" ويقصد به قيمة الموارد البشرية المتاحة للمنظمة محسوبة بقدر ما أنفق عليها من تعليم وتدريب ورعاية اجتماعية وثقافية وفرص للتعليم الذاتي على وقت المنظمة.
 

ربنا يوفق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق